News Details
01 August 2015

غرداية، بين شحّ العمران وكثافة التاريخ

احداث العنف التي عرفتها مدينة القرارة بولاية غرداية خلال هذا الشهر (تموز / يوليو 2015)، وذهب ضحيتها أكثر من عشرين مواطناً، لم تكن الأولى من نوعها ولن تكون ربما الأخيرة للأسف، اذا استمرت نفس المعطيات العميقة التي تغذيها. فقد سبقتها احداث أقل عنفاً في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ليبقى ما يميز احداث هذه السنة هو عدد الضحايا، ناهيك عن التدمير الذي لحق بالممتلكات الفردية والعائلية.

 

لماذا هذه الاستمرارية في العنف في العقدين الأخيرين اذن، وما هي الأسباب العميقة التي تجعل هذه المنطقة الصحراوية الهادئة والتي عرفت اشكال تعايش مترسخة بين مكوناتها  البشرية الأساسية تاريخيا، تتجه نحو العنف والاقتتال بين بني ميزاب الإباضين الناطقين بالأمازيغية ومحيطهم "العربي" البدوي الذي تمثله مجموعة قبائل الشعانبة وفروعها. عدة اتجاهات ثقيلة على المستويين الاقتصادي الاجتماعي والسياسي يمكن ان تفسر جزء من هذا الاستقطاب الاجتماعي الذي تعيشه المنطقة والذي يأخذ طابعا اثنيا ومذهبيا في بعض الأحيان.

هناك في البداية الازمة الاقتصادية التي تعرفها المنطقة مثل بقية البلاد. ازمة تبرز أساسا على شكل بطالة عالية عند الشباب في الجنوب الذي يُهاجر اليه للعمل في القطاع النفطي. وقد تصاعد الصراع في هذا المجال، كما تبينه منذ سنوات إضرابات واحتجاجات شباب الجنوب المطالبين بحقهم في الشغل. كما المطالب البيئية، حيث احتج سكان عين صالح ضد استخراج الغاز الصخري لما لذلك من تبعات بيئية وصحية خطيرة في منطقة هشة سبق وأن تعرضت الى عدوان بيئي من قبل الاستعمار الفرنسي الذي قام بتنفيذ تجارب نووية في سنوات الاستعمار الأخيرة. دون نسيان ما يعرفه اقصى الجنوب من تململ متعدد الأوجه في علاقة واضحة بأزمات مالي وليبيا.

 وحتى لا ندخل في تفاصيل الازمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر وتبعاتها، نكتفي بالقول أن النموذجين الاقتصاديين اللذين يعتمد عليهما أبناء ولاية غرداية بمختلف مكوناتهم، يعبران منذ سنوات ازمة خانقة.

فمن جهة، "النموذج البدوي" الذي يعتمد على الرعي والتجارة الصحراوية وبعض النشاطات الفلاحية، يعيش أزمة حادة، كما هي حال النظام الاقتصادي  البدوي عموماً. وتتمظهر هذه الازمة من خلال نزعة قوية للاستيطان دخل المدن القريبة والهجرة من الفضاءات الصحراوية التي لم تعد قادرة على استيعاب النمو الديموغرافي. هجرة تتجه صوب الفضاءات العمرانية كما يخبرنا بذلك  تاريخ هجرة قبيلة الشعانبة الى اقصى الجنوب الجزائري وفزان الليبية وحتى مالي والنيجر. المغريات التي تمتعت بها المدن بعد الاستقلال خصوصاً، سرّعت في حدة هجرة الشباب تحديداً والذي لم يعد يقبل بنمط المعيشة البدوي.

في المقابل، يُعاني "النموذج المزابي" المعتمد تاريخيا على تجارة التجزئة والجملة والبقالة الصغيرة التي يُعرف بها بني ميزاب في كل مدن الجزائر وحتى الخارج. فمنذ  ثلاثة عقود تقريبا، بعد تحرير التجارة الخارجية، يُعاني هذا النموذج من ظهور التجار الشباب الذين سيطروا على التجارة غير الرسمية والرسمية في المدن وبين الجزائر والعالم الخارجي. تجار لا يتمتعون بثقافة التاجر المزابي التقليدية لكنهم استطاعوا ان ينافسوه ويخلطون له أوراقه المعتمدة على "شفافية" التعامل وعلى العمل الجماعي وعلى تماسك النسيج التجاري المكون من سلسلة طويلة من المخازن وشبكات النقل.

رغم التحول الملاحظ في النموذج الاقتصادي المزابي نحو العمل الصناعي وبداية ظهور نواة برجوازية صناعية، إلا انه لم يتمكن من فرض وجوده في هذه الغابة النيولبيرالية التي فتحتها الخيارات الاقتصادية للدولة الجزائرية حتى الان وسمحت بدخول مئات الالاف من التجار الجدد الى السوق .

بالطبع ما حصل ويحصل وما هو مرشح للحصول في المستقبل من احداث عنف لا تفسره هذه الازمة الاقتصادية والاجتماعية متعددة الوجوه لوحدها. يفسره كذلك التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي عاشته المنطقة. وتفسره ربما اكثر، تلك التصورات والأفكار المسبقة التي تكرسها الأجيال الصغيرة من أبناء المنطقة حول هذا التاريخ ورجاله ومحطاته المهمة التي كانت وراء تأسيس الفكرة الوطنية ذاتها.

 فأحد أهم أسباب العنف القابل للتجدد، إن لم يُحارب بعمل جدي، هي تلك الصور النمطية التي يحملها كل طرف عن الآخر. المزابي الإباضي المتكلم بالأمازيغية، الميسور وابن الفضاء الحضري، عن "العربي" البدوي المالكي السنى البدوي الفقير وحول تاريخه الفعلي والمتصور. خاصة بربطها بمحطات تاريخية مهمة، بدءا من تكوين التجمعات العمرانية نفسها والهجرات المكونة لها. وذلك منذ أحداث الفتح الإسلامي، مرورا بالاستعمار الى الحركة الوطنية وثورة التحرير. ربط تكون في مخيلة اجيال لم تعش ما سبق، يتحول في غرداية الى مفجر للخلافات العنيفة بدل ان يكون مدماكاً يحمي الوحدة الوطنية.

هذه الصور النمطية يعاد انتاجها بشكل مصطنع في السنوات الأخيرة عن طريق وسائل التواصل الحديثة، في مجتمع فشلت فيه  مؤسسات التنشئة الاجتماعية،  كالمدرسة والاسرة والحي ومكان العمل، في بناء نسيج  وطني متجانس. وهي التي كانت جزئياً وراء خلق اللحمة الوطنية في كل المجتمعات التي نجحت في بناء نسيج اجتماعي متجانس.

فهذا الشاب او العائلة البدوية التي تلفظها أزمة "النموذج البدوي" والنمو الديموغرافي المرتفع تقليديا، ستجد في مواجهتها، عند محاولة الاستقرار في مدن بني مزاب، نمطا عمرانيا متميزا وحياة ثقافية ونسيج اجتماعي وثقافي بتفاصيل مفرطة في خصوصيتها. انماط حياة  عاشت ولازالت في فضاء عمراني يتميز بشح موارده وانغلاقه النسبي والذي يصعب اختراقه. نسيج اجتماعي وثقافي مبني على العمل التجاري وفلاحة الواحة وعلى شبكة من العلاقات القديمة المبنية هي الأخرى على تنظيم ديني ومذهبي وتعليمي وجمعوي ضارب في القدم. وهو يريد ان يستمر بخصوصياته في إطار حالة هشاشة وتحول، وحتى حالة خوف وتوجس، من محيطه المباشر المختلف، الذي يجب عليه ان يحترم هذه الخصوصية. خصوصية على مؤسسات الدولة الوطنية حمايتها كجزء من التنوع الاجتماعي والثقافي للمجتمع.

إن البعد السياسي المتحوّل الذي يحكم العلاقات مع مؤسسات الدولة الوطنية داخل هذه الفضاءات العمرانية، يمكن ان يكون أحد مفاتيح هذا العنف والاستقطاب الاجتماعي. فقد نسج المزابي مثل الشعانبي،[1] علاقات مختلفة، وتكاد تكون متناقضة في بعض المحطات، مع مؤسسات الدولة الوطنية كالحزب والإدارة المركزية والمحلية. ويُستشف هذا من الانتخابات المحلية والتشريعية والانخراط في الأحزاب ومؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والأمن. تتضخّم تلك الصورة في بعض الأحيان في حالات الاستقطاب كما حصل في احداث العنف الأخيرة. وذلك بالاعتقاد أن مسافة قرب المكونين المزابي والشعانبي من تلك المؤسسات ليست واحدة. وهذا يُنتج الشعور بالغبن وحتى عدم شرعية تلك المؤسسات في عيون الشباب من أبناء المنطقة الذين تحولوا كما هو حال كل الجزائر الى فاعل جماعي سياسي في هذا الحراك الذي انزلق نحو العنف. وفي هذا، هم يعتمدون على ما توفره لهم وسائل التواصل الحديث من إعادة انتاج الصور النمطية السلبية حول الاخر والتي أججت الأحداث بقوة.

إن الشاب المزابي الذي استفاد اكثر من المنظومة التعليمية الاهلية بكل خصوصياتها المذهبية ومن تلك التابعة للدولة، لم يعد يستمع بنفس القدر الذي كان تستمع به الأجيال الأكبر الى مؤسسات واعيان المجتمع التقليدي الفاعلة. اجيال لم تعد على استعداد لإعادة انتاج الصورة النمطية التي ميزت المزابي تقليدا كانسان هادئ ومتسامح محافظ على مسافة معينة من محيطه العام. ميّزة لو استغلت بشكل إيجابي، بدل الاكتفاء بتعبيراتها السلبية الحالية وهي في حالة استقطاب وتشنج اجتماعيين، فقد تكون المدخل الى اندماج وطني اكثر. فالشباب كان هو الأول في التعبير عن هشاشته.

 التفسير الجيلي يصلح أيضا كمدخل بالنسبة للمكون الشعانبي الذي لم يستفد بنفس القدر من التعليم والتأهيل، ولا من نفس الحضور والتأطير للمؤسسات التقليدية ودور الاعيان ورجال الدين. يعود هذا إلى الفقر الثقافي التقليدي الذي يميز الفضاء البدوي عموماً وليس في الجزائر فحسب. شبابه اكثر انفتاحا على الانتماء الوطني الذي يعبر عنه بالتمدد في محيطه العمراني القريب الذي يتميز بالندرة وقلة الموارد الجغرافية. وهذا يفرض تدخل الدولة لإنجاز مشاريع عمرانية تكون في مستوى طموحات هذه الأجيال التي لم تعد مكتفية بفضائها الصحراوي رغم شساعته، وتريد فضاءً وطنيا أرحب من حقها ان تجده.

يمكن القول ان التحولات التي انجزتها الدولة الوطنية من خلال المنظومة التعليمية والاقتصادية ومشاريع البنى التحتية، لم يعرف النظام السياسي حتى الان، بنخبه وعقائده المتآكلة ومؤسساته منقوصة الشرعية، خاصة لدى الكثير من الشباب، كيف يُسيّرها من اجل بناء نسيج اجتماعي وسياسي وطني عبر عن هشاشته اكثر في ولاية غرداية، كما قد يعبر عن نفسه في اقصى الجنوب وربما بحدة اكبر. لقد ظهر في غرداية وفي ظل جو دولي واقليمي مأزوم، ان النظام السياسي الذي نجح الى حد كبير ولسنوات ما بعد الاستقلال في تسيير الأب، لم يتمكن من تسيير الابن.

المقال نشر في موقع مبادرة الإصلاح العربي: 

http://www.arab-reform.net/ar/غرداية،-بين-شحّ-العمران-وكثافة-التاريخ

Author: عبد الناصر جابي


back



في هذا القسم

بحث

بحث

تصفح حسب الشهر

2015

2015

Jan
Feb
Mar
Apr
May
Jun
Jul
Aug
Sep
Oct
Nov
Dec

2014